يحيى بن زياد الفراء

28

معاني القرآن

وقوله : لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [ 106 ] فالزفير أوّل نهيق الحمار وشبهه ، والشهيق من آخره . وقوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [ 107 ] ، [ 108 ] . يقول القائل : ما هذا الاستثناء وقد وعد اللّه أهل النار الخلود وأهل الجنّة الخلود ؟ ففي « 1 » ذلك معنيان أحدهما أن تجعله استثناء يستثنيه ولا يفعله ؛ كقولك : واللّه لأضربنّك إلّا أن أرى غير ذلك ، وعزيمتك على ضربه ، فكذلك قال ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) ولا يشاؤه واللّه أعلم ، والقول الآخر أن العرب إذا استثنت شيئا كبيرا « 2 » مع مثله أو مع ما هو أكبر منه كان معنى إلّا ومعنى الواو سواء ، فمن ذلك قوله ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) سوى ما يشاء من زيادة الخلود فيجعل ( إلّا ) مكان ( سوى ) فيصلح . وكأنّه قال : خالدين فيها مقدار ما كانت السّماوات وكانت الأرض سوى ما زادهم من الخلود « 3 » [ و ] الأبد . ومثله في الكلام أن تقول : لي عليك ألف إلّا الألفين اللذين من قبل فلان ؛ أفلا ترى أنه في المعنى : لي عليك سوى الألفين . وهذا أحبّ الوجهين إليّ ، لأنّ اللّه عزّ وجل لا خلف لوعده ، فقد وصل الاستثناء بقوله ( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) فاستدل على أن الاستثناء لهم بالخلود غير منقطع عنهم . وقوله : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ [ 111 ] قرأت القراء بتشديد ( لمّا ) وتخفيفها وتشديد « 4 » إن وتخفيفها ) فمن قال ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا ) جعل ( ما ) اسما للناس كما قال ( فَانْكِحُوا « 5 » ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) ثم جعل اللام التي فيها جوابا لإنّ ، وجعل اللام الّتى في ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) لاما دخلت على نيّة يمين فيها : فيما بين ما وصلتها ؛ كما تقول هذا من ليذهبنّ ، وعندي ما لغيره خير منه .

--> ( 1 ) شروع في الجواب عن السؤال ( 2 ) سقط في ا ( 3 ) زيادة من تفسير الطبري في روايته لعبارة الفراء ( 4 ) سقط ما بين القوسين في ا ( 5 ) الآية 3 سورة النساء